حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

215

التمييز

النّاس / 95 ب / : ما ترك ؟ . قالت الملائكة : ما قدّم . قدّموا بعضا يكون لكم ، ولا تخلّفوا كلا يكون عليكم ، الزهد معرفة الدّنيا والتّرك لها بالتّقلل منها ، وقد يكون دوام العوافي والغنى من العقوبات إذا كانا سببين إلى المعاصي والفرح والسّرور بما نال من الدّنيا مع ما لا يبالي ما خرج من دينه من العقوبات ، وما أحد يعطى من الدّنيا شيئا إلّا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث ؛ ثلث همّ وثلث شغل وثلث حساب . وقال بشر بن الحارث « 1 » : من سأل اللّه الدّنيا فإنّما يسأله طول الموقف . وقال حكيم : ما أصنع بدنيا إن بقيت لها لم تبق لي وإن بقيت لي لم أبق لها ، ويقال : كنية الدّنيا أبو الفنا وكنية الآدمي أبو الجفا ، فلا تطلب من الفناء بقاء ولا تطلب من الجفا وفاء . وقال لقمان : القنية « 2 » بيت الأحزان . وقال أفلاطون : خير حظّك من الدّنيا ما لم تنل لأنّها شرور وغرور . وقال وهب ابن منبه ، حكيم العرب : كل ما فاتك من الدّنيا فهي غنيمة إذ ليس عليك حسابه ، وما أصبت منها من حلّ فعليك حسابه ومن حرام فعليك عقابه ، شعر ( الرمل ) هذه الدّنيا وهذا شأنها أتعب النّاس بها أعوانها وذووا الأحلام قالوا إنّها حلم يقضي بها يقظانها وقال الحسن البصري : من أراد نعمة زائلة وحياة منقطعة / 96 أ / فقد ظلم نفسه ونسي الآخرة ، وغرّته دنياه وأراد ظاهر الإثم وباطنه ، لا خير في عزّ أدّى إلى مذلّة ، ولا خير في مسرّة أدّت إلى حسرة ، وإذا أردت أن تعرف منزلة الدّنيا عند اللّه فانظر في يد من هي ، وإذا تيسّر الأنس بالله لم يكن مطلب المحبّ إلّا الانفراد والخلوة وكان ضيّق الصّدر من معاشرة الخلق متبرّما بهم ، فإن خالطهم كان في جماعة منفردا بالقلب المستغرق بعذوبة الذكر وحلاوة الفكر ،

--> ( 1 ) هو بشر بن حارث بن علي بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال المروزي المشهور ببشر الحافي ( ت 227 ه / 814 م ) من كبار الصالحين ، له في الزهد والورع أخبار ، وهو من ثقات رجال الحديث ، سكن بغداد وتوفي بها . أنظر : وفيات الأعيان 10 / 274 - 277 ؛ تاريخ بغداد 7 / 67 - 80 ؛ الحلية 336 - 360 ؛ كتاب التوابين 201 - 204 ؛ طبقات الصوفية ، 33 - 40 . ( 2 ) القنية : الامتلاك ، الاقتناء ، لسان العرب ( مادة : قنن ) .